فصل: باب تَغْطِيَةِ الإنَاءِ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: شرح صحيح البخاري لابن بطال ***


بسم الله الرحمن الرحيم

كتاب الأشربة

باب قوله اللَّه تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ‏}‏ الآية ‏[‏المائدة‏:‏ 90‏]‏

- فيه‏:‏ ابْن عُمَرَ، قَالَ عليه السَّلام‏:‏ ‏(‏مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِى الدُّنْيَا، ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا حُرِمَهَا فِى الآخِرَةِ‏)‏‏.‏

- وفيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم أُتِىَ لَيْلَةَ أُسْرِىَ بِهِ بِإِيلِيَاءَ بِقَدَحَيْنِ مِنْ خَمْرٍ وَلَبَنٍ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا، ثُمَّ أَخَذَ اللَّبَنَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ‏:‏ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ، وَلَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ‏.‏

- وفيه‏:‏ أَنَس، قَالَ عليه السَّلام‏:‏ ‏(‏مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَظْهَرَ الْجَهْلُ، وَيَقِلَّ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا، وَتُشْرَبَ الْخَمْرُ، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، وَتكْثُرَ النِّسَاءُ حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً قَيِّمُهُنَّ رَجُلٌ وَاحِدٌ‏)‏‏.‏

- وفيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا يَزْنِى الزَّانِى حِينَ يَزْنِى وَهُوَ مُؤْمِنٌ، ‏[‏وَلا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ‏]‏، وَلا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ الحديث‏.‏

قال المهلب‏:‏ تحريم الخمر فى الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنما الخمر والميسر والأنصاب ‏(‏الآيتين، ويبين الله فيها علة تحريم الخمر بقوله‏:‏ ‏(‏إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر‏}‏‏.‏

قال ابن القصار وغيره‏:‏ وهاتان الآيتان تتضمن دلائل كثيرة على تحريمها‏:‏ فمنها‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏رجس ‏(‏يعنى نجسًا، ثم قال فى موضع آخر‏:‏ ‏(‏قل لا أجد فيما أوحى إلى محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير فإنه رجس ‏(‏، فبان فى هذه الآية أن الرجس المأمور باجتنابه فى الآية الأخرى حرام بنص الله تعالى على ذلك‏.‏

والثانى‏:‏ قوله‏)‏ من عمل الشيطان‏}‏‏.‏

والثالث‏:‏ قوله‏)‏ فاجتنبوه لعلكم تفلحون ‏(‏أى‏:‏ كونوا جانبًا منه، وهذا أمر كقوله‏:‏ ‏(‏فاجتنبوا الرجس من الأوثان ‏(‏‏)‏ واجتنبوا الطاغوت ‏(‏وضد الفلاح الفساد، ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏فهل أنتم منتهون‏}‏‏.‏

وهذه اللفظة يقال‏:‏ إنها أبلغ لفظ للعرب فى النكير والمنع، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغى ‏(‏والمراد بالإثم الخمر، قال الشاعر‏:‏

شربت الإثم حتى زال عقلى *** كذلك الإثم يذهب بالعقول

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ويسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما‏}‏ فلما جعل الغلبة للإثم علم أن ذلك محرم‏.‏

قال المهلب‏:‏ وهذه الأحاديث التى ذكرها البخارى فى هذا الباب تدل على التحريم؛ لشدة الوعيد فيها، وهى قوله‏:‏ ‏(‏من شرب الخمر ثم لم يتب منها حُرِمَها فى الآخرة‏)‏ ومعنى هذا عند أهل السنة إن أنفذ الله عليه الوعيد‏.‏

وقوله فى حديث أبى هريرة‏:‏ ‏(‏لو أخذت الخمر غوت أمتك‏)‏ دليل على تحريم الخمر؛ لأن الغى محرم، و فى هذا دليل على أن الأقدار عند الله بشروط، متى وقعت الشروط وقعت الأقدار، ومتى لم تقع الشروط لم يوقع الله تلك الأقدار على ما سبق من هدايته لعبده إلى تلك الشروط أو لغيرها من الأفعال التى أراد أن ينفذها عليه من هدى أو ضلال‏.‏

وقوله فى حديث أنس‏:‏ ‏(‏إن من أشراط الساعة أن يظهر الزنا، ويُشرب الخمر‏)‏ فقرن بينهما فى الرتبة فكذلك هما فى التحريم وأما قوله‏:‏ ‏(‏لا يزنى وهو مؤمن ولا يشرب الخمر وهو مؤمن‏)‏ فهذا من أشد ما جاء فى شارب الخمر، وقد تعلق بظاهر هذا الحديث الخوارج؛ فكفروا المؤمنين بالذنوب‏.‏

والذى عليه أهل السنة وعلماء الأمة أن قوله‏:‏ ‏(‏مؤمن‏)‏ يعنى مستكمل الإيمان؛ لأن شارب الخمر والزانى أنقص حالا ممن لم يأت شيئًا من ذلك لا محالة، لا أنه كافر بذلك، وسأستقصى مذاهب العلماء فى تأويل هذا الحديث فى أول كتاب الحدود- إن شاء الله- وإنما أدخل البخارى هذه الأحاديث فى هذا الباب- والله أعلم- بالوعيد والتشديد فى الخمر؛ ليكون عوضًا من حديث ابن عمر أن النبى- عليه السلام- قال‏:‏ ‏(‏كل مسكر حرام‏)‏ ولم يخرجه فى كتابه؛ لأنه- يروى موقوفًا-؛ فلذلك تركه‏.‏

قال الطبرى‏:‏ وفى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنما يريد الشيطان‏}‏ الآية الدلالة على تحريم الله على عباد المؤمنين أن يعادى بعضهم بعضًا، والأمر منه لهم بالألفة والتواخى والتواصل، ودلت الآية على أن تحريم الخمر إنما كان من أجل إيجابه إثارة العداوة والبغضاء، ومعلوم أن الله تعالى إذا كان حرمه من أجل إيجابه العداوة والبغضاء بين عبادة، أن المعنى الذى حرم ذلك من أجله أوكد فى التحريم، وأبعد من التحليل، فالعداوة والبغضاء إذا بين المؤمنين أشد وأعظم عند الله، بدلالة هذه الآية، وكذلك التفريط فى الصلاة وتضييع وقتها أعظم عند الله من شرب الخمر والقمار‏.‏

وفيه دليل أن عداوة المؤمن للمؤمن عدل تضييع وقت الصلاة والتفريط فيها وفى ذكر الله، لأن الله جمع بين جميع ذلك فى تحريمه السبب الذى يوجب لأجله ذلك، فحرم الله الخمر والميسر لمصلحة خلقه‏.‏

باب الْخَمْرُ مِنَ الْعِنَبِ وغيره

- فيه‏:‏ ابْنِ عُمَرَ، لَقَدْ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ، وَمَا بِالْمَدِينَةِ مِنْهَا شَىْءٌ‏.‏

- وفيه‏:‏ أَنَس قَالَ‏:‏ حُرِّمَتْ عَلَيْنَا الْخَمْرُ حِينَ حُرِّمَتْ، وَمَا نَجِدُ خَمْرَ الأعْنَابِ إِلا قَلِيلا، وَعَامَّةُ خَمْرِنَا الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ‏.‏

- وفيه‏:‏ ابْن عُمَرَ، قَالَ‏:‏ قَامَ عُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ‏:‏ أَمَّا بَعْدُ، نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، وَهِىَ مِنْ خَمْسَةٍ‏:‏ الْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْعَسَلِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ‏.‏

قال المؤلف‏:‏ هذا الباب رد على الكوفيين فى قولهم‏:‏ إن الخمر من العنب خاصة، وإن كل شراب يتخذ من غيره فغير محرم ما دون السكر منه‏.‏

قال المهلب‏:‏ وهذا التفسير من عمر مقنع، ليس لأحد أن يتسور فيقول‏:‏ إن الخمر من العنب وحده، فهؤلاء أصحاب النبى وهم فصحاء العرب، والفقهاء عن الله ورسوله قد فسروا ما حرمه الله وقالوا‏:‏ إن الخمر من خمسة أشياء، وقد أخبر عمر بذلك حكاية عما نزل من القرآن، وتفسيرًا للجملة، وقال‏:‏ الخمر ما خامر العقل، وخطب بذلك على منبر النبى- عليه السلام- بحضرة الصحابة من المهاجرين والأنصار وغيرهم، ولم ينكره أحد منهم فصار كالإجماع، وهذا ابن عمر يقول‏:‏ ‏(‏حرمت الخمر وما بالمدينة منها شىء‏)‏ يعنى خمر العنب‏.‏

وقال أنس‏:‏ ‏(‏وما نجد خمر الأعناب إلا قليلا‏)‏ وممن روى عنه من الصحابة أن الخمر يكون من غير العنب- وان كان لا مخالف فيهم-‏:‏ عمر بن الخطاب، وعلى بن أبى طالب و أبو موسى الأشعرى، وابن عباس، وابن عمر، وأبو هريرة، وسعد، وعائشة‏.‏

ومن التابعين‏:‏ سعيد بن المسيب، وعروة، وعمر بن عبد العزيز، فى تابعى أهل المدينة‏.‏

ومن أهل الكوفة ابن مسعود روى عنه فى نقيع التمر أنه خمر، وبه قال الشعبى، وابن أبى ليلى، والنخعى، والحسن البصرى، وعبد الله ابن إدريس الأدوى، وسعيد بن جبير، وطلحة بن مصرف، كلهم قالوا‏:‏ المسكر خمر‏.‏

وهو قول مالك، والأوزاعى، والثورى، وابن المبارك، والشافعى، وأحمد، وإسحاق، وعامة أهل الحديث‏.‏

وروى صفوان بن محرز قال‏:‏ سمعت أبا موسى على المنبر يقول‏:‏ ‏(‏ألا إن خمر أهل المدينة‏:‏ البسر والتمر، وخمر أهل فارس‏:‏ العنب، وخمر أهل اليمن‏:‏ البتع، وهو العسل، وخمر الحبشة‏:‏ الإسكركة، وهو الأرز‏)‏‏.‏

قال إسماعيل بن إسحاق‏:‏ فإذا تبين أن الخمر يكون من هذا كله، وجب أن يجرى كله مجرى واحدًا وألا نفرق بين المسكر من العنب، والمسكر من غيره، والمزر يصنع من الشعير، وهو الجعة أيضًا‏.‏

باب نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهِىَ مِنَ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ

- فيه‏:‏ أَنَسِ، قَالَ‏:‏ كُنْتُ أَسْقِى أَبَا عُبَيْدَةَ وَأَبَا طَلْحَةَ وَأُبَىَّ بْنَ كَعْبٍ مِنْ فَضِيخِ زَهْوٍ وَتَمْرٍ، فَجَاءَهُمْ آتٍ، فَقَالَ‏:‏ إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ‏:‏ قُمْ يَا أَنَسُ، فَأَهْرِقْهَا، فَأَهْرَقْتُهَا‏.‏

- وَقَال سليمان والد الْمُعْتَمِر لأَنَس‏:‏ مَا شَرَابُهُمْ‏؟‏ قَالَ‏:‏ رُطَبٌ وَبُسْرٌ، قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَنَسٍ‏:‏ وَكَانَتْ خَمْرَهُمْ، فَلَمْ يُنْكِرْ أَنَسٌ‏.‏

وَحَدَّثَنِى بَعْضُ أَصْحَابِى أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا يَقُولُ‏:‏ كَانَتْ خَمْرَهُمْ يَوْمَئِذٍ‏.‏

- وفيه‏:‏ أَنَس، أَنَّ الْخَمْرَ حُرِّمَتْ، وَالْخَمْرُ يَوْمَئِذٍ الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ‏.‏

وهذا الباب أيضًا كالذى قبله حجة على العراقيين أن الخمر من العنب وحده؛ لأن الصحابة القدوة فى علم اللسان، ولا يجوز عليهم أن يفهموا أن الخمر إنما هى من العنب خاصة، ويهريقوا جرار الفضيخ وهى غير خمر، وقد نهى عن إضاعة المال، وإنما أهراقوها لأنها الخمر المحرمة عندهم من غير شك، ولو شكوا فى ذلك لسألوا النبى- عليه السلام- عن عينها وما يقع عليه أسمها، وقد قال أنس‏:‏ إنهم لم يعودوا فيها حتى لقوا الله‏.‏

قال إسماعيل بن إسحاق‏:‏ جاء فى الآثار من تفسير الخمر ما هى واللغة المشهورة والنظر ما يعرفه ذوو الألباب بعقولهم، أن كل شىء أسكر فهو خمر، أما كتاب الله فقوله‏:‏ ‏(‏ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرًا ورزقا حسنًا ‏(‏فعلم أن السكر من العنب مثل السكر من النخيل، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ‏(‏فنهى عن الصلاة فى حال السكر، واستوى فى ذلك السكر من ثمرات الأعناب والسكر من ثمرات النخيل، فكما كان السكر من ثمرات النخيل والأعناب منهى عن الصلاة فيه، فكذلك كانت الخمر من ثمرات النخيل والأعناب محرمة بهذه الآية، والله أعلم‏.‏

باب الْخَمْرُ مِنَ الْعَسَلِ وَهُوَ الْبِتْعُ

وَقَالَ مَعْنٌ‏:‏ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنِ الْفُقَّاعِ، فَقَالَ‏:‏ إِذَا لَمْ يُسْكِرْ فَلا بَأْسَ بهِ‏.‏

وقال ابْنُ الدَّرَاوَرْدِىِّ‏:‏ سَأَلْنَا عَنْهُ، فَقَالُوا‏:‏ لا يُسْكِرُ لا بَأْسَ بِهِ‏.‏

- وفيه‏:‏ عَائِشَةَ، أن النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنِ الْبِتْعِ، وَهُوَ نَبِيذ الْعَسَل، وَكَانَ أَهْل الْيَمَنِ يَشْرَبُونَهُ فَقَالَ‏:‏ ‏(‏كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ‏)‏‏.‏

- وفيه‏:‏ أَنَس، قَالَ النَّبِىّ، عليه السَّلام‏:‏ ‏(‏لا تَنْتَبِذُوا فِى الدُّبَّاءِ، وَالْمُزَفَّتِ‏)‏‏.‏

وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُلْحِقُ مَعَهُمَا الْحَنْتَمَ وَالنَّقِيرَ‏.‏

هذا الباب حجة لقول مالك وأهل الحجاز أن المسكر كله من أى نوع كان من غير العنب فهو الخمر المحرمة فى القرآن والسنة‏.‏

قال إسماعيل بن إسحاق‏:‏ ألا ترى أنه عليه السلام سئل عن البتع فقال‏:‏ ‏(‏كل شراب أسكر فهو حرام‏)‏‏.‏

فعلمنا أن المسألة إنما وقعت على ذلك الجنس من الشراب، ودخل فيه كل ما كان فى معناه مما يسمى شرابًا مسكرًا، من أى نوع كان، فإن قال أهل الكوفة‏:‏ إن قوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏كل شراب أسكر‏)‏ يعنى به الجزء الذى يحدث بعقبه السكر فهو حرام‏.‏

قال ابن القصار‏:‏ فالجواب أن الشراب اسم جنس، فيقتضى أن يرجع التحريم إلى الجنس، وهذا كما تقول‏:‏ هذا الطعام مشبع، و هذا الماء مرو، يريد به الجنس، وكل جزء منه يفعل ذلك الفعل، فاللقمة تشبع العصفور، وما هو أكبر منها يشبع ما هو أكبر من العصفور، وعلى هذا حتى يشبع الكبير، وكذلك جنس الماء يروى الحيوان على هذا الحد، فكذلك النبيذ‏.‏

قال الطبرى‏:‏ يقال لهم‏:‏ أخبرونا عن الشربة التى كان يعقبها السكر، أهى التى أسكرت شاربها دون ما تقدمها من الشربات أو أسكرت باجتماعها مع ما تقدمها، وأخذت كل شربة بحظها من الإسكار‏؟‏‏.‏

فإن قالوا‏:‏ إنما أحدثت له السكر الشربة الآخرة، التى وُجد خبل العقل بعقبها‏.‏

قيل لهم‏:‏ وهل هذه التى حدث له ذلك عند شربها إلا كبعض ما تقدم من الشربات قبلها، حتى أنها لو انفردت دون ما تقدم قبلها كانت غير مسكرة وحدها، وإنها إنما أسكرت باجتماعها واجتماع غيرها فحدث عن جميعها السكر والخبل‏؟‏ ومما يبين صحة ذلك لو أن رطلاً من ماء العنب ألقيت فيه قطرة من خل فلم يتغير طعمه إلى الحموضة، ثم تابعنا ذلك بقطرات كثيرة كل ذلك لا يتغير له طعم الماء، ثم ألقينا آخر ذلك قطرة منه فتغير طعمه وحمض أترونه حمض من القطرة الآخرة أم حمض منها ومن سائر القطرات قبلها‏؟‏ فإن قالوا‏:‏ حمض من القطرة الآخرة قالوا‏:‏ ما تعلم العقلاء خلافه، فكابروا العقول؛ لأن أمثالها قد ألقيت فيه ولم يحدث ذلك فيه، فكان معلومًا بذلك أن الحموضة حدثت عن جميع ما ألقى من الخل، وأنه لولا قوة عمل ما تقدم من قطرات الخل المتقدمة مع عمل القطرة الآخرة فيه لم يحدث ذلك فيه‏.‏

فإن قالوا‏:‏ حمض باجتماع قوة عمل جميع ما ألقى فيه من أجزاء الخل، ولكنه ظهرت الحموضة عند آخر جزء من الخل الذى ألقى فيه‏.‏

قيل لهم‏:‏ فهلا قلتم كذلك فى الشراب الذى أسكر كثيرة أنه إنما أسكر باجتماع قوة عمل جميع ما شرب منه، ولكن السكر والخبل إنما ظهر فيه عند اجتماع قوة عمل أول الشربة مع سائرها، كما قلتم فى الماء الذى ظهرت فيه حموضة الخل، فعلموا بذلك أن كل شراب أسكر كثيره مستحق بذلك قليله اسم مسكر، وكذلك الزعفران المغير للماء، والكافور المغير ريحه فى أن قليل ذلك مستحق من الاسم والصفة فيما عمل فيه من التغير مثل الذى هو مستحق كثيره‏.‏

قال المهلب‏:‏ إنما دخل الوهم على الكوفيين من حديث رووه عن ابن عباس‏:‏ ‏(‏حرمت الخمر بعينها و السكر من غيرها‏)‏ هكذا رواه أبو نعيم عن مسعر، وإنما الحديث‏:‏ ‏(‏والمسكر من غيرها‏)‏ وكذلك رواه شعبة وسفيان عن مسعر، عن أبى عون الثقفى، عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس و رواه ابن شبرمه عن ابن شداد ‏(‏السكر‏)‏ بغير ميم أيضًا على الوهم‏.‏

قال الأصيلى‏:‏ وشعبة وسفيان أضبط ممن أسقط الميم، على أن هذا الحديث لم يسمعه عبد الله بن شداد من ابن عباس، قاله أحمد بن حنبل، وقد بينه هشيم فقال‏:‏ عن الثقة عن ابن عباس وقال مرة أخرى‏:‏ عمن حدثه عن ابن عباس فهذا كله يدل على الوهم، وقال النسائى‏:‏ لم يسمعه ابن شبرمة من ابن شداد، وسأزيد فى بيان هذه المسألة فى باب الباذق ومن نهى عن كل مسكر من الأشربة بعد هذا، إن شاء الله‏.‏

فإن قيل‏:‏ فإن حديث نافع عن ابن عمر، عن النبى- عليه السلام- أنه قال‏:‏ ‏(‏كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام‏)‏ أوقفه مالك وغيره عن نافع، عن ابن عمر، فهم أقعد وأولى ممن أسنده عن نافع، قال الطبرى‏:‏ وقد روى‏:‏ ‏(‏كل مسكر حرام‏)‏ عن النبى جماعة، منهم أبو موسى الأشعرى، وأبو هريرة، وابن عباس، والنعمان بن بشير، وبريدة الأسلمى، ووائل بن حجر، وعبد الله بن مغفل، وعبد الله بن عمرو، وأبو سعيد الخدرى، ومعاوية، وأم سلمة، وعائشة، وابن مسعود، ذكر هؤلاء الطبرى فى تهذيب الآثار‏.‏

وقال غيره‏:‏ فإن احتج العراقيون فقالوا‏:‏ الدليل على صحة قولنا فى التفريق بين عصير العنب وبين سائر الأنبذة أن الأمة كفرت مستحل عصير العنب، ولم تكفر مستحل نقيع التمر، فاعتلالهم بالتكفير ليس بشىء، لأن التكفير إنما يقع فيما يثبت بالإجماع، لا فيما ثبت من جهة أخبار الآحاد، ألا ترى أنه لا يكفر القائل بأن الصلاة تجوز بغير أم القرآن، ولا يكفر من أجاز النكاح بغير ولى، ولا من قال الوضوء جائز بغير نية، ومثله كثير لا يكفر القائل به، ويعتقد فيه التحليل والتحريم، ألا ترى أنه لا يكفر من قال لا يقطع سارق ربع دينار مع ثبوت ذلك عن الرسول من أخبار الآحاد، ولا يمتنع أحد من العلماء أن يحرم ما قام له الدليل على تحريمه من كتاب الله أو سنة رسوله، وإن كان غيره يخالفه فيه لدليل استدل به ووجه من العلم أداه إليه، وليس فى شىء من هذا خروج من الدين ولا يكفر بما فيه الخطأ والصواب‏.‏

فإن قال قائل‏:‏ فما معنى حديث أنس فى هذا الباب، وإنما فيه النهى عن الانتباذ‏؟‏ قال المهلب‏:‏ هو موافق للتبويب، وذلك أن الخمر من العسل لا يكون إلا منتبذا فى الأوانى بالماء الأيام حتى يصير خمرًا، وأن الرسول إنما نهى عن الانتباذ فى الظروف المذكورة؛ لسرعة كون ما ينبذ فيها خمرًا من كل ما ينتبذ فيها‏.‏

باب مَا جَاءَ فِى أَنَّ الْخَمْرَ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ مِنَ الشَّرَابِ

- فيه‏:‏ ابْن عُمَرَ، خَطَبَ عُمَرُ عَلَى مِنْبَرِ النَّبِىّ عليه السَّلام فَقَالَ‏:‏ إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، وإنه مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ‏:‏ مِنَ الْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالْعَسَلِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ الحديث‏.‏

قال المهلب‏:‏ قوله‏:‏ ‏(‏نزل تحريم الخمر وهى من خمسة أشياء‏)‏ ففسر ما أنزل، وهذا يجرى مجرى المسندات، وإذا لم يجد مخالفًا له فى الصحابة وجب أن يكون هذا التفسير لكتاب الله ولما حرم فيه مجمعًا عليه فى الصحابة فيرتفع الإشكال عمن تلبس عليه أمره، إن أراد الله هدايته، ومن الدليل القاطع لهم إجماعنا وإياهم على تحريم قليل الخمر من العنب، ولا يخلو تحريمها أن يكون لمعنى أو لغير معنى، فإن قيل‏:‏ إنه لغير معنى، فمعاذ الله أن يأمر بشىء عبثًا، وإذا كان ذلك لمعنى، فلا معنى لقليل الخمر من العنب إلا وهو موجود فى قليل الخمر من غيرها، فإذا صحت العلة فيهما جميعًا وجب أن يكون حكمهما واحدًا، وإن كان إلى المعقول و الإنصاف سبيل ووجه العلة التى حرم بها قليل الخمر من العنب وغيرها‏:‏ أن كل نقطة من الخمر تأخذ بنصيب من إسكار العقل؛ لأن من شرب عشرة كئوس فلم يسكر، وشرب كأسًا واحدًا بعدها فسكر منه، لم يجز أن يقال‏:‏ إن ذلك الكأس وحده أسكره؛ لأنه قد شرب قبله تسعًا فلم يسكر، فوجب بهذا النظر أن لكل كأس جزءًا من السكر‏.‏

ومثال ذلك لو أن سفينة رُمى فيها عشرة أقفزة فلم تغرق، فرمى فيها قفيز زائد فغرقت، لم يكن غرقها بالقفيز ولا بثقله وحده، بل إنما كان غرقها بالجميع؛ لأن القفيز الواحد قد رمى فيها أولا فلم تغرق به، وليس بين العقول وبين هذا حجاب‏.‏

قال ابن القصار‏:‏ وإنما احتاط الله تعالى على عباده بأن يمتنعوا من قليل الخمر وإن لم يسكر؛ لأن ذلك داعى إلى كثيرها، ومثل هذا فى العبادات كثير‏.‏

منه أن البيع يوم الجمعة وقت النداء منهى عنه خشية فوت الجمعة، فاحتيط عليهم بأن منعوا البيع فيه‏.‏

و منه سائق الهدى تطوعًا إذا عطب قبل محله أمر ألا يأكل منه، ولا يطعم أحدًا؛ خيفة أن يتطرق إلى نحره ويدعى عطبه‏.‏

ومنه الخاطب فى العدة منع من التصريح؛ لما يدعو إليه التصريح من دواعى الشهوة‏.‏

فكذلك كل ما وقع عليه اسم خمر فحكمه واحد فى التحريم، مع أن القدر الذى يحدث عنه السكر غير معلوم، فلا يجوز أن يتعلق به التحريم؛ لاختلاف طباع الناس، فربما أسكر القليل منه بعض الناس، ومنهم من لا يسكره إلا الكثير، فحسم الله المادة بتحريم قليله وكثيره خيفة مواقعة السكر‏.‏

وقد ألزم الشافعى الكوفيين إلزامًا صحيحًا فقال‏:‏ ما تقولون فيمن شرب القدر الذى لا يسكره‏؟‏ قالوا‏:‏ مباح، قال لهم‏:‏ فإن خرج فهبت عليه الريح فسكر مما شربه‏؟‏ قالوا‏:‏ حرام، فقال‏:‏ هل رأيتم شيئًا يدخل الجوف وهو حلال ثم يصير محرمًا‏؟‏ قال إسماعيل بن إسحاق‏:‏ وقوله‏:‏ ‏(‏الخمر ما خامر العقل‏)‏ فهو أن يصير على القلب من ذلك شىء يغطيه، ومن ذلك سمى الِخمَار؛ لأنه يغطى الرأس، ويقال للشجر الملتف الذى يغطى من تحته‏:‏ الخمَر‏.‏

قال ابن المنذر‏:‏ واختلف العلماء فى حد السكر والذى يلزم صاحبه اسم السكر، فقال مالك‏:‏ إذا تغير من طباعه التى هو عليها، وهو قول أبى ثور‏.‏

وقال الثورى‏:‏ لا يجلد إلا فى اختلاط العقل، وهو أن يُستقرأ، فإن أقام القراءة وسئل فتكلم بما يعرف لم يحد، وإن لم يقم ذلك حُد‏.‏

وقال أبو حنيفة‏:‏ هو ألا يعرف الرجل من المرأة‏.‏

وقال مرة‏:‏ ألا يعرف قليلاً ولا كثيرًا‏.‏

وقال أبو يوسف‏:‏ لا يكون هذا، ولا يُحد سكران إلا وهو يعرف شيئًا، فإذا كان الغالب عليه اختلاط العقل واستقرئ سورة فلم يقمها وجب عليه الحد‏.‏

وقال الشافعى‏:‏ أقل السكر أن يغلب على عقله فى بعض ما لم يكن عليه قبل الشرب‏.‏

قال ابن المنذر‏:‏ وهذا أولى بالصواب؛ لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ‏(‏وقد كان الذين خوطبوا بهذه الآية قبل نزول تحريم الخمر يقربون الصلاة قاصدين لها فى حال سكرهم، عالمين بالصلاة التى لها يقصدون، وسموا سكارى؛ لأن فى الحديث أن أحدهم أمهم فخلط فى القراءة؛ فأنزل الله‏:‏ ‏(‏لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ‏(‏فقصدهم إلى الصلاة دلالة أن اسم السكران قد يستحق من عرف شيئًا وذهب عليه غيره، ولو كان السكران لا يكون إلا من لا يعرف شيئًا ما اهتدى سكران لمنزله أبدًا، إذ معروف أن السكران يأتى منزله، ويقال‏:‏ جاءنا وهو سكران‏.‏

باب فِيمَنْ يَسْتَحِلُّ الْخَمْرَ وَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ

م- وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ‏:‏ حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُالرَّحْمَنِ ابْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، قَالَ‏:‏ حَدَّثَنَا عَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ الْكِلابِىُّ، قَالَ‏:‏ حَدَّثَنَا عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ الأشْعَرِىُّ، قَالَ‏:‏ حَدَّثَنِى أَبُو عَامِرٍ- أَوْ أَبُو مَالِكٍ الأشْعَرِىُّ- وَاللَّهِ مَا كَذَبَنِى، سَمِعَ النَّبِىَّ عليه السَّلام يَقُولُ‏:‏ ‏(‏لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِى أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ، وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ، وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ، يَأْتِيهِمْ لِحَاجَةٍ، فَيَقُولُونَ‏:‏ ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا، فَيُبَيِّتُهُمُ اللَّهُ، وَيَضَعُ الْعَلَمَ، وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ‏)‏‏.‏

قال المهلب‏:‏ هذا الحديث لم يسنده البخارى من أجل شك المحدث فى الصاحب فقال‏:‏ أبو عامر أو أبو مالك، أو لمعنى آخر لا أعلمه، وإنما أدخله البخارى على أنه جائز وقوعه من الله تعالى فى المسرفين على أنفسهم من أهل هذه الملة، وأنه مروى يجب أن يتوقع ما روى فيه من العقوبة، وليس فى هذا الحديث تسمية الخمر بغير اسمها، وقد جاء مبينًا من رواية ابن أبى شيبة فى هذا الحديث، قال ابن أبى شيبة‏:‏ حدثنا زيد بن الخباب، عن معاوية بن صالح قال‏:‏ حدثنا حاتم بن حريث، عن مالك ابن أبى مريم، عن عبد الرحمن بن غنم قال‏:‏ حدثنى أبو مالك الأشعرى، أنه سمع رسول الله يقول‏:‏ ‏(‏يشرب ناس من أمتى الخمر يسمونها بغير اسمها، يضرب على رءوسهم بالمعازف والقينات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير‏)‏‏.‏

وقال ابن وهب‏:‏ حدثنى عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبى هلال، عن محمد بن عبد الله‏:‏ ‏(‏أن أبا مسلم الخولانى حج فدخل على عائشة زوج النبى- عليه السلام- فجعلت تسأله عن الشام، وعن بردها، فقال‏:‏ يا أم المؤمنين، إنهم يشربون شرابًا لهم يقال له الطلاء‏.‏

فقالت‏:‏ صدق الله وبلغ حبيبى، سمعت رسول الله يقول‏:‏ إن ناسًا من أمتى يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها‏)‏‏.‏

وروى ابن أبى شيبة من حديث عبادة بن الصامت، قال‏:‏ قال رسول الله‏:‏ ‏(‏ليستحلن آخر أمتى الخمر يسمونها بغير اسمها‏)‏‏.‏

وأما الحر فهو الفرج، وليس كما تأوله من صحفه فقال‏:‏ الخز، من أجل مقاربته للحرير فاستحل التصحيف بالمقارنة مع أنه ليس فى الخز تحريم، وقد جاء فى الحرير تحريم‏.‏

ومعنى قوله‏:‏ ‏(‏يستحلون الحرير‏)‏ أى‏:‏ يستحلون النهى عنه، والنهى فى كتاب الله ومن الرسول متوعد عليه بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فليحذر الذين يخالفون عن أمره‏}‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏ولينزلن أقوام‏)‏ الحديث، إنما هو من الأخبار الدالة على الحدثان، فننظر فإن وقع ما أنذر به كان من علامات النبوة، و كان الحديث صحيحًا، وإن كان لم يقع فسيقع؛ لقوله فى حديث عبادة‏:‏ ‏(‏ليستحلن آخر أمتى الخمر‏)‏ فدل هذا الحديث أن كل ما أنذر به عليه السلام من ذلك يكون فى آخر الإسلام‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏فيبيتهم الله‏)‏ أى يهلكهم ليلاً، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتًا وهم نائمون‏}‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏يضع العلم‏)‏ إن كان العلم بناءً فيهدمه، وإن كان جبلاً فيدكدكه، وهكذا إن كان غيره‏.‏

‏(‏ويمسخ آخرين قردة‏)‏ يعنى ممن لم يهلكهم فى البيات، والمسخ فى حكم الجواز فى هذه الأمة إن لم يأت خبر يرفع جوازه، وقد رويت أحاديث لينة الأسانيد‏:‏ ‏(‏أنه يكون فى أمتى خسف ومسخ‏)‏ عن النبى- عليه السلام- ولم يأت ما يرفع ذلك، وقال بعض العلماء‏:‏ معنى ما ورى عن النبى- عليه السلام-‏:‏ ‏(‏أنه سيكون فى هذه الأمة مسخ‏)‏ فالمراد به مسخ القلوب حتى لا تعرف معروفًا ولا تنكر منكرًا، وقد جاء عن النبى- عليه السلام- أن القرآن يرفع من صدور الرجال، وان الخشوع والأمانة تنزع منهم، ولا مسخ أكبر من هذا، وقد يجوز أن يكون الحديث على ظاهره، فيمسخ الله من أراد تعجيل عقوبته كما قد خسف بقوم وأهلكهم بالخسف والزلازل، وقد رأينا هذا عيانا؛ فكذلك يكون المسخ، والله أعلم‏.‏

باب الانْتِبَاذِ فِى الأوْعِيَةِ وَالتَّوْرِ

- فيه‏:‏ سَهْل قَالَ‏:‏ أَتَى أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِىُّ، فَدَعَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِى عُرْسِهِ، فَكَانَتِ امْرَأَتُهُ خَادِمَهُمْ، وَهِىَ الْعَرُوسُ، قَالَ‏:‏ أَتَدْرُونَ مَا سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم‏؟‏ أَنْقَعْتُ لَهُ تَمَرَاتٍ مِنَ اللَّيْلِ فِى تَوْرٍ‏.‏

قال ابن المنذر‏:‏ كان التور الذى ينتبذ فيه لرسول الله تورًا من حجارة‏.‏

قال المهلب‏:‏ فالإنقاع حلال إذا لم يلبث حتى تخشى شدته، والشدة مكروهة؛ للجهل بموقعها من السكر أو غيره والأشياء المشكوك فيها والمشتبهات قد نص الرسول على تركها، وإنما كان ينقع للنبى من الليل ويشربه يومًا آخر، وينقع له بالنهار ويشربه من ليلته‏.‏

وفيه‏:‏ أن الحجاب ليس بفرض على نساء المؤمنين، وإنما هو خاص لأزواج النبى، كذلك ذكره الله فى كتابه بقوله‏:‏ ‏(‏وإذا سألتموهن متاعًا فاسألوهن من وراء حجاب‏}‏‏.‏

باب تَرْخِيصِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم فِى الأوْعِيَةِ وَالظُّرُوفِ بَعْدَ النَّهْيِ

- فيه‏:‏ جَابِر، نَهَى النَّبِىّ عليه السَّلام عَنِ الظُّرُوفِ، فَقَالَتِ الأنْصَارُ‏:‏ إِنَّهُ لا بُدَّ لَنَا مِنْهَا، قَالَ‏:‏ ‏(‏فَلا إِذًن‏)‏‏.‏

- وفيه‏:‏ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، لَمَّا نَهَى النَّبِىُّ عليه السَّلام عَنِ الأسْقِيَةِ، قِيلَ لِلنَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَجِدُ سِقَاءً، فَرَخَّصَ لَهُمْ فِى الْجَرِّ غَيْرِ الْمُزَفَّتِ‏.‏

وقال مرة‏:‏ عَن الأوْعِيَةِ‏.‏- وفيه على‏:‏ ‏(‏نهى النبى عن الدباء والمزفت‏)‏‏.‏

- وفيه‏:‏ الأسْوَد، سَأَلْتَ عَائِشَةَ عَمَّا يُكْرَهُ أَنْ يُنْتَبَذَ فِيهِ‏؟‏ فَقَالَتْ‏:‏ نَهى النَّبِىّ عليه السَّلام أَنْ نَنْتَبِذَ فِى الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ، قُلْتُ‏:‏ أَمَا ذَكَرَتِ الْجَرَّ وَالْحَنْتَمَ‏؟‏ قَالَتْ‏:‏ إِنَّمَا أُحَدِّثُكَ مَا سَمِعْتُ، أَفَأُحَدِّثُ مَا لَمْ أَسْمَعْ‏.‏

- وفيه‏:‏ ابْن أَبِى أَوْفَى، نَهَى النَّبِىُّ عليه السَّلام عَنِ الْجَرِّ الأخْضَرِ، قُلْتُ‏:‏ أَنَشْرَبُ فِى الأبْيَضِ‏؟‏ قَالَ‏:‏ ‏(‏لا‏)‏‏.‏

اختلف العلماء فى هذا الباب على أقوال، فذهب مالك إلى جواز الانتباذ فى جميع الظروف غير الدباء والمزفت، فإنه كره الانتباذ فيهما، ولم ينسخ عنده، وأخذ فى ذلك بحديث على وحديث عائشة‏:‏ ‏(‏أن النبى- على السلام- نهى عن الدباء والمزفت‏)‏ وروى مثله عن ابن عمر، وذهب الثورى والشافعى إلى كراهية الانتباذ فى الدباء والمزفت والحنتم والنقير، لنهى النبى- عليه السلام- عنها، ذكر ذلك البخارى فى باب الخمر من العسل وهو البتع من حديث الزهرى عن أنس، أن النبى قال‏:‏ ‏(‏لا تنتبذوا فى الدباء ولا فى المزفت‏)‏‏.‏

وكان أبو هريرة يلحق معها الحنتم والنقير‏.‏

وقد روي النهى عن الانتباذ فى هذه الأربعة من حديث ابن عباس فى حديث وفد عبد القيس، وقد ذكره البخارى فى كتاب الإيمان والعلم‏.‏

ومعنى النهى عندهم عن الانتباذ فيها- والله أعلم- لسرعة استحالة ما ينتبذ فيها، فيصير خمرًا وهم لا يظنون ذلك، فيواقعون ما نهى الله عنه‏.‏

وذكر الطبرى عن القائلين بتحريم الشراب المتخذ فى الأوعية المذكورة المنكرين أن تكون منسوخة عن عمر بن الخطاب أنه قال‏:‏ ‏(‏لا أشرب فى قمقم محمى فيحرق ما أحرق، ويبقى ما أبقى، أحب إلى من أن أشرب من نبيذ الجر‏)‏‏.‏

وعن على بن أبى طالب النهى عنه، وعن ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأبى هريرة، وأنس مثله، وقال ابن عباس لأبى جمرة‏:‏ ‏(‏لا نشرب نبيذ الجر وإن كان أحلى من العسل‏)‏ وكرهه ابن المسيب والحسن البصرى‏.‏

وقال إسماعيل بن إسحاق‏:‏ قال سليمان بن حرب‏:‏ كل شىء ذكر عمن كان يشرب نبيذ الجر أو يكرهه فإنما هو الحلو، فأما المسكر فهو حرام فى كل وعاء‏.‏

وقال أبو حنيفة وأصحابه‏:‏ الانتباذ فى جميع الأوعية كلها مباح‏.‏

وقالوا‏:‏ أحاديث النهى عن الانتباذ منسوخة بحديث جابر وغيره‏.‏

ألا ترى أن النبى أطلقهم على جميع الأوعية والظروف حين قال له الأنصار إنه لا بد لنا منها، فقال عليه السلام‏:‏ ‏(‏فلا إذن‏)‏ ولم يستثن منها شيئًا، واحتجوا بما رواه إسماعيل بن إسحاق قال‏:‏ حدثنا سعيد ابن أبى مريم قال‏:‏ حدثنا نافع بن يزيد، قال‏:‏ حدثنى أبو جمرة يعقوب بن مجاهد قال‏:‏ حدثنى عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله عن أبيه أن النبى- عليه السلام- قال‏:‏ ‏(‏إنى كنت نهيتكم أن تنتبذوا فى الدباء والحنتم والمزفت فانتبذوا، ولا أُحل مسكرًا‏)‏ ورواه ابن وهب عن أسامة بن زيد، عن محمد بن يحيى بن حيان، عن عمه واسع، عن أبى سعيد الخدرى، عن النبى- عليه السلام- مثله‏.‏

قالوا‏:‏ فثبت بهذه الآثار نسخ ما جاء فى النهى عن الانتباذ فى الأوعية، و ثبتت إباحة الانتباذ فى الأوعية كلها‏.‏

وذكر الطبرى عن ابن عمر‏:‏ الأوعية لا تحل شيئًا ولا تحرمه‏.‏

وعن ابن عباس قال‏:‏ كل حلال فى كل ظرف حلال، وكل حرام فى كل ظرف حرام وهو قول النخعى والشعبى، قال الطبرى‏:‏ وهذا القول أولى بالصواب، وقد تواترت الأخبار عن النبى بتحريم كل مسكر، وفى ذلك مقنع‏.‏

وقال أبو جعفر الداودى‏:‏ النهى عن الأوعية إنما كان قطعًا للذريعة، فلما قالوا للنبى- عليه السلام-‏:‏ إنا لا نجد بدا من الانبتاذ فيها قال عليه السلام‏:‏ ‏(‏انتبذوا، وكل مسكر حرام‏)‏‏.‏

وكذلك كل نهى كان بمعنى التطرق إلى غيره يسقط عند الضرورة، وذلك كنهيه عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح، ويجوز أن يصلى على الجنائز فى تلك الساعتين لما بالناس من الضرورة إلى دفن موتاهم، وليس ذلك كصلاة النافلة، إذ لا ضرورة إلى صلاتها حينئذ، وكنهيه عليه السلام عن الجلوس فى الطرقات، فلما ذكروا أنهم لا يجدون بُدًا من ذلك؛ قال‏:‏ ‏(‏إذا أبيتم فأعطوا الطريق حقه‏)‏‏.‏

وذلك غض البصر، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، وعون الضعيف، وإرشاد الضال‏.‏

وأما الجر الأبيض فهو مثل الأخضر؛ لأنه كله حنتم، وقال أبو عبيد‏:‏ الحنتم‏:‏ جرار خضر كانت تحمل إليهم‏.‏

باب نَقِيعِ التَّمْرِ مَا لَمْ يُسْكِرْ

- فيه‏:‏ سَهْل، أَنَّ أَبَا أُسَيْدٍ، دَعَا النَّبِىَّ عليه السَّلام لِعُرْسِهِ، فَكَانَتِ امْرَأَتُهُ خَادِمَهُمْ يَوْمَئِذٍ، وَهِىَ الْعَرُوسُ، فَقَالَتْ‏:‏ مَا تَدْرُونَ مَا أَنْقَعْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم‏؟‏ أَنْقَعْتُ لَهُ تَمَرَاتٍ مِنَ اللَّيْلِ فِى تَوْرٍ‏.‏

أجمع العلماء أن نقيع التمر وغيره ما لم يسكر فهو حلال شربه، وقالت عائشة‏:‏ ‏(‏كنا ننبذ لرسول الله غدوة ويشربه عشية، وننبذه عشيا فيشربه غدوة‏)‏‏.‏

وفى حديث ابن عباس‏:‏ ‏(‏أن النبى كان ينبذ له فيشربه من الغد ومن بعد الغد فإذا كان اليوم الثالث أهريق‏)‏‏.‏

قال ابن المنذر‏:‏ الشراب فى المدة التى ذكرتها عائشة يشرب حلوا، وفى حديث ابن عباس‏:‏ ‏(‏فإذا كان فى اليوم الثالث أهريق‏)‏ يعنى إذا غلا، وغير جائز أن يظن أحد أنه كان مسكرًا؛ لأنه حرم المسكر‏.‏

باب الْبَاذَقِ وَمَنْ نَهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ مِنَ الأشْرِبَةِ

وَرَأَى عُمَرُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَمُعَاذٌ شُرْبَ الطِّلاءِ عَلَى الثُّلُثِ، وَشَرِبَ الْبَرَاءُ وَأَبُو جُحَيْفَةَ عَلَى النِّصْفِ‏.‏

وقال ابْنُ عَبَّاسٍ‏:‏ اشْرَبِ الْعَصِيرَ مَا دَامَ طَرِيًّا‏.‏

وقال عُمَرُ‏:‏ وَجَدْتُ مِنْ عُبَيْدِ اللَّهِ رِيحَ شَرَابٍ، وَأَنَا سَائِلٌ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ يُسْكِرُ جَلَدْتُهُ‏.‏

- فيه‏:‏ ابْن عَبَّاس، أنه سُئل عَنِ الْبَاذَقِ، فَفَالَ‏:‏ سَبَقَ مُحَمد الْبَاذَق، فَمَا أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ، قَالَ‏:‏ الشَّرَابُ الْحَلالُ الطَّيِّبُ، قَالَ‏:‏ لَيْسَ بَعْدَ الْحَلالِ الطَّيِّبِ، إِلا الْحَرَامُ الْخَبِيثُ‏.‏

- وفيه‏:‏ عَائِشَةَ، قَالَتْ‏:‏ كَانَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ‏.‏

شراب الطلاء على الثلث هو ما صنعه عمر لأهل الشام، وهو أن يطبخ العصير حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه، وحده أن يتمدد ويشبه طلاء الإبل، و بذلك شبهه عمر بن الخطاب، فهذا الذى تؤمن غائلته، والطلاء هو طبيخ العنب الثخين‏.‏

واختلف العلماء فى شربه، فقال كثير من الصحابة والتابعين‏:‏ إذا ذهب ثلثاه وبقى ثلثه فجائز شربه، هذا قول عمر بن الخطاب، وعلى بن أبى طالب، وأبى عبيدة، ومعاذ، وأبى طلحة، وأبى الدرداء، وأبى أمامة الباهلى، ومن التابعين‏:‏ الحسن البصرى، وعكرمة، وسعيد بن المسيب، وهو قول مالك والثورى، والليث، وأحمد بن حنبل، وكلهم أجاز شربه إذا ذهب ثلثاه؛ لأنه لا يسكر كثيره‏.‏

وفيه قول ثان‏:‏ وهو أن يذهب نصفه بالطبخ، روى أنه أجاز شربه البراء، وأبو جحيفة، وجرير، وأنس، ومن التابعين‏:‏ ابن الحنفية، وعبيدة، وشريح، والحكم بن عتيبة، والنخعى، وسعيد بن جبير، وأجازه أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، واحتجوا أنه لا يشرب أحد من الصحابة والتابعين ما يسكر؛ لأنهم مجمعون أن قليل الخمر وكثيرها حرام، وأما الذى كرهه فإنه تورع عنه‏.‏

قال المهلب‏:‏ وقوله‏:‏ ‏(‏سبق محمد الباذق‏)‏ يعنى سبق محمد بالتحريم للخمر قبل تسميتهم لها بالباذق، وهو من شراب العسل، وليس تسميتهم لها بغير اسمها بنافع لها إذا أسكرت، ورأى ابن عباس أن سائله أراد استحلال الشراب المحرم بهذا الاسم فحسم منه رجاءه، وباعد منه أمله، وأخبره أن ما أسكره فهو حرام‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏ليس بعد الحلال الطيب إلا الحرام الخبيث‏)‏ معناه أن المشتبهات تقع فى حيز الحرام، وهى الخبائث، قال إسماعيل ابن إسحاق‏:‏ فى قول ابن عباس هذا رد لما روى عنه أنه قال‏:‏ ‏(‏حُرمت الخمر بعينها، والسكر من كل شراب‏)‏ والصحيح عنه‏:‏ ‏(‏المسكر‏)‏ كما رواه شعبة وسفيان، وقد روى عن ابن عباس من وجوه ما يضعف رواية الكوفيين عن مسعر‏.‏

قال إسماعيل‏:‏ وحدثنا حجاج بن منهال، قال‏:‏ حدثنا أبو عوانة، عن ليث، عن عطاء وطاوس ومجاهد، عن ابن عباس قال‏:‏ ‏(‏قليلُ ما أسَكَر كَثِيُره حرام‏)‏‏.‏

وحدثنا سليمان بن حرب قال‏:‏ حدثنا حماد بن زيد، أبو جمرة قال‏:‏ سمعت ابن عباس يقول‏:‏ ‏(‏لا يُشرب نبيذ الحر وإن كان أحلى من العسل‏)‏‏.‏

قال إسماعيل‏:‏ فإذا كان هذا فتيا ابن عباس، فكيف يقبل عنه خلافه‏؟‏‏.‏

قال المهلب‏:‏ وأما قول عائشة‏:‏ ‏(‏إن النبى كان يحب الحلواء والعسل‏)‏ فهذا الحلال الذى لا شك فى طيبه، فالحلواء تطبخ حتى تنعقد والعسل يمزج بالماء فيشرب من ساعته فهذا لا شك فى طيبه وحله‏.‏

وفى حديث عمر من الفقه‏:‏ الجلد فى ريح الشراب الذى يسكر كثيره؛ ألا ترى قوله‏:‏ وأنا سائل عنه، فإن كان يسكر حددته‏.‏

ولم يخص بذلك المسكر من خمر العنب، بل أطلق ذلك على كل ما يسكر من جميع الأشربة، وروى عن ابن مسعود أنه ورد حمص، فشم من رجل رائحة خمر فحده، ولا مخالف له من الصحابة، وعن عمر بن عبد العزيز مثله‏.‏

قال ابن المنذر‏:‏ وبه قال مالك، قال‏:‏ إذا شهد عدلان ممن شرب الخمر فى كفره ثم أسلم، أو شربها فى إسلامه فحد ثم تاب منها، وقالا‏:‏ إنها ريح مسكر، جلد الحد‏.‏

وقال عطاء‏:‏ لا حد إلا بالبينة؛ لأن الريح تكون من الشراب الذى ليس فيه بأس‏.‏

وهو قول أبى حنيفة والشافعى، وقالوا‏:‏ لا يحد الذى يوجد منه رائحة الشرب إلا أن يقول‏:‏ شربت مسكرًا، أو يُشهد عليه بذلك‏.‏

قالوا‏:‏ لأن الروائح تتفق، فرائحة التفاح الشامى والخمر تتفق، درأ الحد بالشبهة أولى‏.‏

وحجة مالك أن رائحة الخمر وإن تشابهت فإنه إذا تأملها من يعرفها لم تختلط مع غيرها وإن تقاربت وقد تشتبه الألسن والروائح ثم لا بد من الفرق بينها كما نقول فى شهادة الأعمى على الصوت‏.‏

وقال ابن المنذر‏:‏ روى عن عطاء‏:‏ لا يُحد فى شىء من الشراب حتى يسكر إلا الخمر وبه قال أبو حنيفة‏.‏

وعن ابن أبى ليلى والنخعى‏:‏ لا يجلد السكران من النبيذ حدًا‏.‏

وقال أبو ثور‏:‏ من كان المسكر عنده حرامًا فشرب منه ما يسكر، حددته، ومن كان متأولا مخطئًا فى تأويله، فشربه على خبر ضعيف قلده أو اتبع أقوامًا؛ لم يكن عليه حد، وذلك أنه لا يحد إلا من فسق، إنما الحد على من علمه، وأما من أتى الشىء يظنه حلالا؛ فلا حد عليه‏.‏

قال ابن المنذر‏:‏ وقد ثبت عن النبى أنه قال‏:‏ ‏(‏من شرب الخمر فاجلدوه‏)‏ فالحد على شاربه واجب سكر أم لا، على ظاهر الحديث، وكل شراب أسكر كثيره فهو خمر، وقليله حرام؛ للأخبار الثابتة‏.‏

باب مَنْ رَأَى أَنْ لا يَخْلِطَ الْبُسْرَ وَالتَّمْرَ إِذَا كَانَ مُسْكِرًا وَأَلا يَجْعَلَ إِدَامَيْنِ فِى إِدَامٍ

- فيه‏:‏ أَنَس، إِنِّى لأسْقِى أَبَا طَلْحَةَ وَأَبَا دُجَانَةَ وَسُهَيْلَ بْنَ الْبَيْضَاءِ خَلِيطَ بُسْرٍ وَتَمْرٍ؛ إِذْ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ، فَقَذَفْتُهَا- وَأَنَا سَاقِيهِمْ وَأَصْغَرُهُمْ- وَإِنَّا نَعُدُّهَا يَوْمَئِذٍ الْخَمْرَ‏.‏

- وفيه‏:‏ جَابِر، نَهَى النَّبِىُّ عليه السَّلام عَنِ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ، وَالْبُسْرِ وَالرُّطَبِ‏.‏

- وفيه‏:‏ أَبُو قَتَادَة، نَهَى النَّبِىُّ عليه السَّلام أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ التَّمْرِ وَالزَّهْوِ، وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، وَلْيُنْبَذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ‏.‏

وترجم لحديث أنس بن مالك باب‏:‏ خدمة الصغار الكبار‏.‏

قال المهلب‏:‏ قوله‏:‏ ‏(‏من رأى ألا يخلط البُسر والتمر إذا كان مسكرًا‏)‏ خطأ من البخارى، وليس مما قصد البخارى أنهما مما يسكران فى الحال، وإنما أراد أنهما ما يئول حالهما إلى السكر، وليس النهى عن الخليطين من جهة الإسكار؛ لأن المسكر مأمور بهرقه قليله وكثيره، وقد سئل الشافعى عن رجل شرب خليطين مسكرًا فقال‏:‏ هذا بمنزلة رجل أكل لحم خنزير ميت، فهو حرام من جهتين‏:‏ الخنزير حرام والميتة حرام، والخليطان حرام والمسكر حارم‏.‏

وإنما نهى عن الخليطين وإن لم يسكر واحد منهما- والله أعلم- من أجل خيفة إسراع السكر إليهما، وحدوث الشدة فيهما، وأنهما يصيران خمرًا وهم لا يظنون، وقد روى هذا عن الليث، وجمهور العلماء قائلون بهذه الأحاديث فى النهى عن الخليطين من جميع الأشربة، وأن ينبذ كل واحد على حدته، وممن روى عنه ذلك من الصحابة‏:‏ أبو مسعود الأنصارى، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدرى‏.‏

ومن التابعين‏:‏ عطاء، وطاوس‏.‏

وبه قال مالك، والليث، والشافعى، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور‏.‏

وروى عن الليث بن سعد أنه قال‏:‏ لا بأس أن يخلط نبيذ الزبيب ونبيذ التمر ثم يشربان جميعًا، وإنما جاء الحديث فى النهى أن ينبذا جميعًا؛ لأن أحدهما يشد صاحبه‏.‏

وخالفه مالك والشافعى، فلم يريا أن يخلطا عند شرب ولا انتباذ، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف‏:‏ لا بأس بشرب الخليطين من الأشربة، قالا‏:‏ وكل ما لو طبخ على الانفراد حل، كذلك هو إذا طبخ مع غيره، قالوا‏:‏ روى مثل قولنا عن ابن عمر، والنخعى‏.‏

قال الطحاوى‏:‏ ومعنى النهى عن الخليطين‏:‏ على وجه السرف؛ لضيق ما كانوا فيه من العيش، كما روى حنظلة بن سحيم قال‏:‏ ‏(‏أصابتنا سنة فرآنا ابن عمر ونحن نأكل التمر، فقال لنا‏:‏ لا تقرنوا؛ فإن رسول الله نهى عن القران، قال ابن عمر‏:‏ إلا أن يستأذن الرجل أخاه‏)‏‏.‏

وهذا معنى النهى عن الخليطين عندهم؛ لأن كل واحد على حياله يجوز شربه، كما يجوز أكل كل تمرة على حيالها‏.‏

قال غيره‏:‏ والمعروف عن ابن عمر ما حكاه الطحاوى عنه؛ لأنه كان أشد الناس اتباعًا لآثار النبى- عليه السلام- فلم يكن ليخالفه، وقد روى عن ابن عمر أنه كان ينبذ التمر، فينظر إلى التمرة بعضها بُسرة وبعضها رطبة فيقعطها ولا ينبذها كلها؛ كراهية أن يواقع نهى النبى- عليه السلام- عن الخليطين‏.‏

وأما قياسهم أن ما حل على الانفراد حل مع غيره، لا قياس لأحد، ولا رأى مع مخالفة السنة، ومن خالفها فمحجوج بها‏.‏

قال ابن المنذر‏:‏ يقال للكوفيين‏:‏ إذا جاز نكاح المرأة ونكاح أختها منفردتين، فليس بالجمع بينهما بأس، فإن قال‏:‏ حرم الله الجمع بين الأختين، قيل‏:‏ وكذلك حرم النبى- عليه السلام- الجمع بين البُسر والتمر، والزبيب والتمر، وقال‏:‏ ‏(‏لينبذ كل واحد على حدة‏)‏ وكذلك الجواب فى الجمع بين العمة وبين بنت أخيها‏.‏

قال المهلب‏:‏ ولا يصح عن النبى- عليه السلام- النهى عن خلط الأدم، وإنما روى ذلك عن عمر، وذلك من أجل السرف؛ لأنه كان يمكن أن يأتدم بأحدهما، ويرفع الآخر إلى مرة أخرى، وستأتى هذه المسألة فى كتاب الأطعمة- إن شاء الله‏.‏

باب شُرْبِ اللَّبَنِ

وَقَالَ تعالى‏:‏ ‏{‏مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 11‏]‏ الآية - فيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ، أُتِىَ النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ أُسْرِىَ بِهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ، وَقَدَحِ خَمْرٍ‏.‏

- وفيه‏:‏ أُمِّ الْفَضْلِ، شَكَّ النَّاسُ فِى صِيَامِ النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ عَرَفَةَ، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَن فَشَرِبَ‏.‏

- وفيه‏:‏ جَابِر، جَاءَ أَبُو حُمَيْدٍ بِقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ مِنَ النَّقِيعِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أَلا خَمَّرْتَهُ‏؟‏ وَلَوْ أَنْ تَعْرُضَ عَلَيْهِ عُودًا‏)‏‏.‏

- وفيه‏:‏ الْبَرَاءَ، قَدِمَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ مَكَّةَ وَأَبُو بَكْرٍ مَعَهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ‏:‏ مَرَرْنَا بِرَاعٍ، وَقَدْ عَطِشَ النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم، فَحَلَبْتُ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ فِى قَدَحٍ، فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ‏.‏

الحديث‏.‏

- وفيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ، عليه السَّلام‏:‏ ‏(‏نِعْمَ الصَّدَقَةُ اللِّقْحَةُ الصَّفِىُّ مِنْحَةً، وَالشَّاةُ الصَّفِىُّ مِنْحَةً، تَغْدُو بِإِنَاءٍ وَتَرُوحُ بِآخَرَ‏)‏‏.‏

- وفيه‏:‏ ابْن عَبَّاس، أَنَّ النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم شَرِبَ لَبَنًا فَمَضْمَضَ، وَقَالَ‏:‏ ‏(‏إِنَّ لَهُ دَسَمًا‏)‏‏.‏

- وفيه‏:‏ أَنَس،، قال‏:‏ قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏رُفِعْتُ إِلَى السِّدْرَةِ، فَإِذَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ نَهَرَانِ ظَاهِرَانِ، وَنَهَرَانِ بَاطِنَانِ، فَأَمَّا الظَّاهِرَانِ‏:‏ النِّيلُ وَالْفُرَاتُ، وَأَمَّا الْبَاطِنَانِ‏:‏ فَنَهَرَانِ فِى الْجَنَّةِ، فَأُتِيتُ بِثَلاثَةِ أَقْدَاحٍ، قَدَحٌ فِيهِ لَبَنٌ وَقَدَحٌ فِيهِ عَسَلٌ وَقَدَحٌ فِيهِ خَمْرٌ، فَأَخَذْتُ الَّذِى فِيهِ اللَّبَنُ، فَشَرِبْتُ، فَقِيلَ لِى‏:‏ أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ أَنْتَ وَأُمَّتُكَ‏)‏‏.‏

قال المهلب‏:‏ شرب اللبن حلال بكتاب الله، وليس قول من قال إنه يسكر الكثير منه بشىء؛ لأن كل ما أباح الله أكله وشربه فوقع منها لشاربه أو آكله سكر فهو غير مأثوم؛ إلا أن يتعمد شربه لذهاب عقله دون منفعة يقصدها، فهو آثم لقصده إلى ذهاب عقله‏.‏

قال المؤلف‏:‏ وإنما يكون السكر منه بصناعة تدخله، وإن وجد أحد منه فهى آفة فى خلقته، وهذا فى الشاذ والنادر، فلذلك لم يحكم فيه بحكم عام، وفى الآية دليل أن الماء إذا خالطته نجاسة فتغير ثم قعدت عنه حتى صفا وحلا وطابت رائحته، أنه طاهر يجوز الوضوء به لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏من بين فرث ودم لبنًا خالصا ‏(‏فوصفه بالخلوص مما خالطه من الدم وحثالة الفرث، وهذا دليل لازم، وقد روى عن مالك فى حباب تقع فيها الدابة فتموت وتروث فيها البقر والغنم والدواب حتى تنتن ثم تسعى عليها الرياح حتى تصفو وتطيب؛ أنه يجوز التوضؤ بمائها‏.‏

والنهران الباطنان فى الجنة إذا بدلت الأرض ظهرا- إن شاء الله- وأما أخذه اللبن وما قيل له‏:‏ ‏(‏هُديت الفطرة‏)‏ فهو من باب الفأل الحسن لأن اللبن أول ما يفتح الرضيع إليه فمه، فلذلك سمى فطرة؛ لأنه فطر جوفه أى‏:‏ شقه أول شىء، فالفطور‏:‏ الشقوق‏.‏

وأما قوله‏:‏ ‏(‏لو أخذت الخمر غوت أمتك‏)‏ فيه دليل على أن الخمر كلها قليلها وكثيرها مقرون بها الغى، فيجب أن تكون حراما كلها، وإنما أتى بثلاثة أقداح وقيل له‏:‏ خذ أيها أحببت، ليريه الله تعالى فضل تيسيره له، ولو أتى بقدح واحد لخفى موضع التيسير عليه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏فحلبت كثبة‏)‏ قال صاحب العين‏:‏ كل ما جمعته من قليل فقد كثبته، وهى الكثبة، وسيأتى تفسير اللقحة الصفى والشاة الصفى فى كتاب المنحة والعارية- إن شاء الله‏.‏

باب اسْتِعْذَابِ الْمَاءِ

- فيه‏:‏ أَنَس، كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِىٍّ بِالْمَدِينَةِ مَالا مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبُّ مَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، فَلَمَّا نَزَلَتْ‏:‏ ‏(‏لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 92‏]‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ الحديث‏.‏

شراب الماء العذب وطلبه مباح للصالحين والفضلاء، وليس شرب الماء الذعاق أفضل من شرب العذب؛ لأن النبى- عليه السلام- كان يشرب العذب ويوثره، وفيه القدوة والأسوة الحسنة، ومحال أن يترك الأفضل فى شىء من أفعاله، وفى هذا الحديث دليل على استعذاب الأطعمة وجميع المآكل جائز لأولى الفضل، وأن ذلك من أفعال الصالحين، ولو أراد الله ألا تؤكل لذيذ المطاعم لم يخلقها لعباده، ولا امتن بها عليهم، بل أراد تعالى منهم أكلها ومقابلتها من الشكر الجزيل عليها والحمد، بما مَنَّ به منها؛ بما ينبغى لكرم وجهه وعز سلطانه، وإن كانت نعمة لا يكافئ شكر أقلها إلا بتجاوزه عن تقصيرنا، وقد قال أهل التأويل فى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ‏(‏أنها نزلت فيمن حرم على نفسه لذيذ المطاعم، وسيأتى بيان هذا فى أول كتاب الأطعمة‏.‏

باب شَرْبِ اللَّبَنِ بِالْمَاءِ

- فيه‏:‏ أَنَس، أَنَّهُ رَأَى النَّبِىّ عليه السَّلام يشَرِبَ لَبَنًا، وَأَتَى دَارَهُ فَحَلَبْتُ شَاةً فَشُبْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ اللَّبَنِ، فَتَنَاوَلَ الْقَدَحَ فَشَرِبَ، وَعَنْ يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِىٌّ، فَأَعْطَى الأعْرَابِىَّ فَضْلَهُ، ثُمَّ قَالَ‏:‏ ‏(‏الأيْمَنَ، فَالأيْمَنَ‏)‏‏.‏

- وفيه‏:‏ جَابِر، أَنَّ النَّبِىَّ عليه السَّلام دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ وَمَعَهُ صَاحِبٌ لَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إِنْ كَانَ عِنْدَكَ مَاءٌ بَاتَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فِى شَنَّةٍ، وَإِلا كَرَعْنَا‏)‏، قَالَ‏:‏ وَالرَّجُلُ يُحَوِّلُ الْمَاءَ فِى حَائِطِهِ، فَقَالَ الرَّجُلُ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، عِنْدِى مَاءٌ بَائِتٌ، فَانْطَلِقْ إِلَى الْعَرِيش، قَالَ‏:‏ فَانْطَلَقَ بِهِمَا، فَسَكَبَ فِى قَدَحٍ ثُمَّ حَلَبَ عَلَيْهِ مِنْ دَاجِنٍ لَهُ، قَالَ‏:‏ فَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ شَرِبَ الرَّجُلُ الَّذِى جَاءَ مَعَهُ‏.‏

وترجم لحديث جابر‏:‏ باب‏:‏ الكرع فى الحوض وفيه‏:‏ ‏(‏فقال‏:‏ يا رسول الله، بأبى أنت وأمى، وهى ساعة حارة‏)‏‏.‏

يشرب اللبن بالماء، وهو أصل فى نفسه، وليس من باب الخليطين فى شىء‏.‏

قال المهلب‏:‏ والحكمة فى شرب الماء البارد ما فعله النبى من الجرع لاستلذاذه ببرودته، وكان ذلك فى يوم حر، ألا ترى قوله فى باب الكرع‏:‏ ‏(‏وهى ساعة حارة‏)‏‏.‏

ولذلك صب له اللبن على الماء ليقوى برده، لاجتماع برد اللبن مع برد الماء البائت، وفيه أنه لا بأس بطلب الماء البارد فى سموم الحر، وقصد الرجل الفاضل بنفسه فيه حيث يعرف مواضعه عن إخوانه، وقد روى أبو هريرة عن النبى- عليه السلام- ‏(‏إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة أن يقال له‏:‏ ألم أصح جسمك و أروك من الماء البارد‏؟‏‏)‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏وإلا كرعنا‏)‏ يريد إن لم يكن عندك ماء بارد ولا عذب كان الأولى فى شربه الكرع؛ لئلا يعذب نفسه بكراهته فى كثره الجرعات‏.‏

والكرع‏:‏ شرب الرجل بفيه، يقال‏:‏ كرع كرعًا وكروعًا، وكرع فى الإناء‏:‏ إذا مال نحوه بعنقه فشرب منه‏.‏

وخلط اللبن بالماء إنما يجوز عند الشرب لطلب اللذة أو الحاجة إلى ذلك، وأما عند البيع فلا يجوز، لأنه غش‏.‏

باب شَرَابِ الْحَلْوَى وَالْعَسَلِ

وَقَالَ الزُّهْرِىُّ‏:‏ لا يَحِلُّ شُرْبُ بَوْلِ النَّاسِ لِشِدَّةٍ تَنْزِلُ لأنَّهُ رِجْسٌ، قَالَ تعالى‏:‏ ‏{‏أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 4‏]‏‏.‏

وقال ابْنُ مَسْعُودٍ فِى السَّكَرِ‏:‏ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ‏.‏

- فيه‏:‏ عَائِشَةَ، قَالَتْ‏:‏ كَانَ رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم يُعْجِبُهُ الْحَلْوَاءُ وَالْعَسَلُ‏.‏

الحلوى‏:‏ كل شىء حلو‏.‏

وفيه من الفقه‏:‏ أن الأنبياء والصالحين الفضلاء يأكلون الحلاوات والطيبات ولا يتركونها تقشفًا، وقد نزع ابن عباس فى أكل الطعام الطيب بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق ‏(‏ومدار الآية على أن الطيبات الحلال، فكل ما كان حلالا حلوًا كان أو حامضًا فهو طيب لمن استطابه‏.‏

وأما أبوال الناس فهى مثل الميتة والخمر فى التحريم، ولم يختلفوا فى جواز أكل الميتة عند الضرورة، فكذلك البول، والفقهاء على خلاف قول ابن شهاب، وإما اختلفوا فى جواز شرب الخمر عند الضرورة، فقال مالك‏:‏ لا يشربها؛ لأنها لا تزيده إلا عطشًا وجوعًا‏.‏

وأجاز أبو حنيفة أن يشرب منها مقدار ما يمسك رمقه‏.‏

واحتج من منع شربها بقول ابن مسعود‏:‏ إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم‏.‏

وقد روى هذا عن النبى- عليه السلام‏.‏

واحتج الكوفيون بأن الضرورة أباحت أكل ما حرمه الشرع من الميتة والدم والبول وما لا ينقلب إلى حالة أخرى، فأن تبيح الخمر أولى؛ لأنها قد تنقل من حالها إلى حال التخليل‏.‏

قال ابن القصار‏:‏ وكان الشيخ أبو بكر الأبهرى يقول‏:‏ إن دفعته إليها ضرورة يغلب على ظنه أنه يتخلص بشربها جاز؛ لأنه لو تغصص بلقمة فى حلقة فلم يجد ما يدفعها به، واضطر أن يزردها بالخمر جاز له ذلك، ولم يجز أن يمنعه من حالة الحال فتصير كالميتة عند الضرورة‏.‏

والأمر كما قال- إن شاء الله‏.‏

باب الشُّرْبِ قَائِمًا

- فيه‏:‏ عَلِىٌّ، أنه شَرِبَ قَائِمًا، فَقَالَ‏:‏ إِنَّ نَاسًا يَكْرَهُ أَحَدُهُمْ أَنْ يَشْرَبَ وَهُوَ قَائِمٌ، وَإِنِّى رَأَيْتُ النَّبِىَّ عليه السَّلام فَعَلَ كَمَا رَأَيْتُمُونِى فَعَلْتُ‏.‏

- وفيه‏:‏ ابْن عَبَّاس، قَالَ‏:‏ شَرِبَ النَّبِىُّ عليه السَّلام قَائِمًا مِنْ زَمْزَمَ‏.‏

إنما رسم البخارى هذا الباب؛ لأنه قد رويت عن النبى آثار فيها كراهية الشرب قائمًا، فلم تصح عنده، وصحت عنده أحاديث الإباحة فى ذلك، وعمل بهذا الخلفاء بعد النبى، وقال بها أئمة الفتوى، وروى الطبرى عن عمر بن الخطاب أنه شرب قائمًا، وعن على بن أبى طالب وسعد وابن عمر وعائشة وأبى هريرة مثله، وعن إبراهيم وطاوس وسعيد بن جبير مثله أيضًا‏.‏

وروى عن أنس كره الشرب قائمًا، وعن أبى هريرة مثله، وبه قال الحسن البصرى‏.‏

والدليل على جواز ذلك أن الأكل مباح قائمًا وعلى كل حال، فكذلك الشرب، ذكر ابن أبى شيبة قال‏:‏ حدثنا حفص بن غياث، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال‏:‏ ‏(‏كنا نشرب ونحن قيام، ونأكل ونحن نمشى على عهد رسول الله‏)‏‏.‏

قال الطبرى‏:‏ وأحاديث النهى عن ذلك ليست على وجه التحريم، وإنما هى على وجه التأديب والإرشاد، يدل على ذلك أنه عليه السلام شرب قائمًا، ولم يرد عنه أن أحد الخبرين ناسخ للآخر، ولا يجوز أن يكون منه عليه السلام تحريم شىء بعد إطلاقه، أو إطلاق شىء بعد تحريمه، ثم لا يُعلم أمته أى ذلك الواجب عليهم العمل به، وقد روى فى سبب نهيه عن ذلك خبر فى إسناده نظر؛ روى بقية عن إسحاق بن مالك، عن محمد بن إبراهيم، عن الحارث بن فضيل، عن جعفر بن عبد الله، عن ابن عمر قال‏:‏ قال النبى- عليه السلام-‏:‏ ‏(‏من أصابه الجن فى إحدى ثلاث لم يشف‏:‏ وهو يشرب قائمًا، أو يمشى فى نعل واحدة، أو يشبك بين أصابعه‏)‏ وهذا الخبر وإن كان مما لا يعتمد عليه لضعفه، فإن فى إجماع الحجة على أن نهى النبى عن الشرب قائمًا على غير وجه التحريم له دليل على أنه نهى عنه كراهية له سبب هو غير التحريم‏.‏

وروى عن النخعى أنه قال‏:‏ إنما أكره الشرب قائمًا مخافة أن يأخذ منه الداء‏.‏

وقال مرة‏:‏ يأخذ منه ذا البطن، وقال غيره‏:‏ النهى عنه- والله أعلم- نهى اختيار، لأن الشرب جالسًا أهنأ وأمرأ‏.‏

باب مَنْ شَرِبَ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ

- فيه‏:‏ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ، أَنَّهَا أَرْسَلَتْ إِلَى النَّبِىِّ عليه السَّلام بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ، عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَأَخَذَه وَشَرِبَهُ‏.‏

زَادَ مَالِكٌ، عَنْ أَبِى النَّضْرِ‏:‏ عَلَى بَعِيرِهِ‏.‏

وترجم له‏:‏ باب الشرب فى الأقداح‏.‏

إذا جاز الشرب قائمًا بالأرض، فالشرب على الدابة أحرى بالجواز؛ لأن الراكب أشبه بالجالس‏.‏

باب الأيْمَنَ فَالأيْمَنَ فِى الشُّرْبِ

- فيه‏:‏ أَنَس، أَنَّ النَّبِىّ عليه السَّلام أُتِىَ بِلَبَنٍ قَدْ شِيبَ بِمَاءٍ، وَعن يَمِينِهِ أَعْرَابِىٌّ، وَعَنْ شِمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ، فَشَرِبَ، ثُمَّ أَعْطَى الأعْرَابِىَّ، وَقَالَ‏:‏ ‏(‏الأيْمَنَ فَالأيْمَنَ‏)‏‏.‏

قال المهلب‏:‏ التيامن فى الأكل والشرب وجميع الأشياء من السنن، وأصله ما أثنى الله به على أصحاب اليمين فى الآخرة، فكان رسول الله يحب التيامن استشعارً منه لما شرف الله به أهل اليمين، ولئلا تكون أفعاله كلها إلا مرادا بها ما عند الله، وليحتذى حكمة الله فى أفعاله فنبه أن سنة المناولة فى الطعام والشراب من على اليمين‏.‏

قال غيره‏:‏ وما روى عن مالك أنه قال ذلك فى الماء خاصة، فلا أعلم أحدا قاله غيره، وحديث عائشة ‏(‏أن النبى- عليه السلام- كان يحب التيامن فى طهوره، وتنعله وترجله‏)‏ يعم الماء وجميع الأشياء‏.‏

باب هَلْ يَسْتَأْذِنُ الرَّجُلُ مَنْ عَلَى يَمِينِهِ فِى الشُّرْبِ لِيُعْطِىَ الأكْبَرَ

- وفيه‏:‏ سَهْل، أَنَّ النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم أُتِىَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلامٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ الأشْيَاخُ، فَقَالَ لِلْغُلامِ‏:‏ ‏(‏أَتَأْذَنُ لِى أَنْ أُعْطِىَ هَؤُلاءِ‏)‏‏؟‏ فَقَالَ الْغُلامُ‏:‏ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لا أُوثِرُ بِنَصِيبِى مِنْكَ أَحَدًا، قَالَ‏:‏ فَتَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِى يَدِهِ‏.‏

الغلام المذكور فى هذا الحديث‏:‏ هو ابن عباس، والأشياخ‏:‏ خالد بن الوليد، وقد نقل هذا من طرق، ورواه الحميدى عن سفيأن قال‏:‏ حدثنا على بن زيد بن جدعان، عن عمر ابن حرملة، عن ابن عباس قال‏:‏ ‏(‏دخلت مع رسول الله على خالتى ميمونة ومعنا خالد بن الوليد، فقدمت إلينا ضبابًا مشوية، فلما رآها رسول الله تفل ثلاث مرات ولم يأكل منها، وأمرنا أن نأكل، ثم أتى رسول الله بإناء فيه لبن فشرب وأنا عن يمنيه، وخالد عن يساره، فقال لى رسول الله‏:‏ الشربة لك يا غلام وإن شئت آثرت بها خالدًا‏.‏

فقلت‏:‏ ما كنت لأوثر بسؤر رسول الله أحدًا‏.‏

ثم قال رسول الله‏:‏ من أطعمه الله طعامًا فليقل‏:‏ اللهم بارك لنا فيه وأبدلنا به ما هو خير منه، ومن سقاه لبنًا فليقل‏:‏ اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه، فإنى لا أعلم شيئًا يجزئ من الطعام والشراب غيره‏)‏‏.‏

وفيه من الفقه‏:‏ أنه وجب له حق أنه لا يؤخذ منه إلا عن إذنه، فلذلك قال الغلام‏:‏ ‏(‏والله يا رسول الله، لا أوثر بنصيبى منك أحدًا‏)‏ تبركًا بفضله صلى الله عليه‏.‏

قال المهلب‏:‏ واستئذانه صاحب اليمين من باب التأدب لفضل السن، فلو أذن الشاب الذى على اليمين لكان من المؤثرين على أنفسهم، و إذ لم يأذن و تشاح فى نصيبه من النبى فله ما شح عليه من شريف المكان وفى هذا دليل أنه من يسبق إلى مجالسة الإمام والعالم أنه لا يقام لمن هو أسن منه، لأن النبى- عليه السلام- لما لم يقم ذلك الأعرابى لأبى بكر ولا الغلام للشيخ، علم أن من سبق إلى المواضع عند العالم أو المسجد أو غيره مما حقوق الناس فيه متساوية أنه أحق به‏.‏

قال غيره‏:‏ وقوله‏:‏ ‏(‏كبر كبر‏)‏ فى غير هذا الحديث، إنما ذلك إذا استوت حال القوم فى شىء واحد، فحينئذ يبتدأ بالأكبر، وأما إذا كان لبعضهم على بعض فضل فى شىء فصاحب الفضل أولى بالتقدمة، وسيأتى فى كتاب المياه فى باب‏:‏ من رأى صدقة الماء وهبته ووصيته جائزة شىء من الكلام فى حديث سهل، إن شاء الله‏.‏

باب تَغْطِيَةِ الإنَاءِ

- فيه‏:‏ جَابِر، قَالَ النَّبِىّ، عليه السَّلام‏:‏ ‏(‏إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ- أَوْ أَمْسَيْتُمْ- فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ فَحُلُّوهُمْ، فَأَغْلِقُوا الأبْوَابَ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا، وَأَوْكُوا قِرَبَكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، وَخَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، وَلَوْ أَنْ تَعْرُضُوا عَلَيْهَا شَيْئًا، وَأَطْفِئُوا مَصَابِيحَكُمْ‏)‏‏.‏

قال المهلب‏:‏ خشى النبى- عليه السلام- على الصبيان عند انتشار الجن أن تلم بهم فتصرعهم، فإن الشيطان قد أعطاه الله قوة على هذا، وقد علمنا رسول الله أن التعرض للفتن مما لا ينبغى، فإن الاحتراس منها أحزم، على أن ذلك الاحتراس لا يرد قدرًا ولكن لتبلغ النفس عذرها، ولئلا يسبب له الشيطان إلى لوم نفسه فى التقصير‏.‏

وأما قوله‏:‏ ‏(‏إن الشيطان لا يفتح غلقا‏)‏ فهو إعلام من النبى أن الله لم يعطه قوة على هذا، وإن كان قد أعطاه ما هو أكثر منه، وهو الولوج حيث لا يلج الإنسان، وسيأتى هذا المعنى فى باب إغلاق الأبواب بالليل فى آخر كتاب الاستئذان- إن شاء الله‏.‏

والوكاء والتخمير دلائل على أن الاستعاذة تردع الشيطان، وقيل‏:‏ إنما أمر بتغطية الإناء لحديث القعقاع بن حكيم عن جابر أن الرسول قال‏:‏ ‏(‏غطوا الإناء وأوكوا السقاء؛ فإن فى السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليس فيه غطاء إلا نزل فيه من ذلك الوباء‏)‏ قال الليث بن سعد- وهو راوى الحديث-‏:‏ والأعاجم يتقون ذلك فى كانون الأول‏.‏

قال المهلب‏:‏ وأما إطفاء السراج فقد بينه فى غير هذا الحديث، وقال‏:‏ من أجل الفويسقة- وهى الفأرة- فإنها تضرم على الناس بيوتهم‏.‏

وإنما سماها فويسقة لفسادها وأذاها، وسيأتى زيادة فى هذا المعنى فى كتاب الاستئذان فى باب قوله‏:‏ لا تترك النار فى البيت عند النوم‏.‏

وفيه‏:‏ أن أوامر النبى قد تكون لمنافعنا لا لشىء من أمر الدين‏.‏

باب اخْتِنَاثِ الأسْقِيَةِ

- فيه‏:‏ أَبُو سَعِيد، نَهَى النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم عَنِ اخْتِنَاثِ الأسْقِيَةِ- يَعْنِى أَنْ تُكْسَرَ أَفْوَاهُهَا- فَيُشْرَبَ مِنْهَا‏.‏

قال المهلب‏:‏ معنى هذا النهى- والله أعلم- على وجه الأدب لجواز أن تكون فى أفواهها حية أو بعض الهوام لا يراها الشارب فيدخل فى حلقه، وقد قيل‏:‏ إن ذلك على سبيل التقذر؛ لأنه يدخلها فى فيه، وقد روى ذلك فى الحديث، روى ابن وهب عن أنس ابن عياض، عن هشام بن عروة، عن أبيه ‏(‏أن النبى نهى أن يشرب من فم السقاء، وقال‏:‏ إنه ينتنه‏)‏، وقد أجاز مالك أن يشرب من أفواه الأسقية، وتقول العرب‏:‏ خنث السقاء، وانخنث السقاء‏:‏ إذا مال، ومنه قيل للمخنث مخنث لتكسره وميله إلى شبه النساء‏.‏

باب الشُّرْبِ مِنْ فَمِ السِّقَاءِ

- فيه‏:‏ أَبُو هُرَيْرَةَ، نَهَى النَّبِىّ عليه السَّلام عَنِ الشُّرْبِ مِنْ فَمِ السِّقَاءِ- أَو الْقِرْبَةِ‏.‏

- وَعن ابْن عَبَّاس، مثله‏.‏

قد تقدم فى الباب قبل هذا أن النهى عن الشرب من فم السقاء نهى أدب، لا نهى تحريم، روى عن أبى سعيد الخدرى‏:‏ ‏(‏أن رجلا شرب من فى السقاء فانساب جان فى بطنه؛ فنهى رسول الله عن اختناث الأسقية‏)‏، وهذا يدل أن من فعل ذلك أنه ليس بحرام عليه شربه‏.‏

باب التَّنَفُّسِ فِى الإنَاءِ

- فيه‏:‏ أَبُو قَتَادَة، قال عليه السَّلام‏:‏ ‏(‏إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلا يَتَنَفَّسْ فِى الإنَاءِ، وَإِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلا يَمْسَحْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا تَمَسَّحَ أَحَدُكُمْ فَلا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ‏)‏‏.‏

قال المهلب‏:‏ التنفس إنما نهى عنه عليه السلام كما نهى عن النفخ فى الطعام والشراب- والله أعلم- من أجل أنه لا يؤمن أن يقع فيه شىء من ريقه، فيعافه الطاعم له ويستقذر أكله؛ إذ كان التقذر فى باب الطعام والشراب، والتنظف فيه الغالب على طباع أكثر الناس، فنهاه عن ذلك؛ لئلا يفسد الطعام والشراب على من يريد تناوله هذا إذا أكل أو شرب مع غيره، وإذا كان الإنسان يأكل أو يشرب وحده أو مع أهله أو مع من يعلم أنه لا يقذر شيئا مما يأكل منه، فلا بأس بالتنفس فى الإناء، كما فعل النبى مع عمر بن أبى سلمة أمره أن يأكل مما يليه، وكان هو عليه السلام، يتتبع الدباء فى الصحفة، علما منه أنه لا يقذر منه شىء عليه السلام، وكيف يظن ذلك وكان إذا تنخم تبادر أصحابه نخامته فدلكوا بها وجوههم، وكذلك فضل وضوئه، فهذا فرق بين فعل النبى وأمره غيره بالأكل مما يليه‏.‏

باب الشُّرْبِ بِنَفَسَيْنِ أَوْ ثَلاثَةٍ

- فيه‏:‏ أَنَس، أَنَّهُ كَانَ يَتَنَفَّسُ فِى الإنَاءِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، وَزَعَمَ أَنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَتَنَفَّسُ ثَلاثًا‏.‏

قال المهلب‏:‏ إن قال قائل‏:‏ حديث أبى قتادة ‏(‏أن النبى- عليه السلام- نهى عن التنفس فى الإناء‏)‏ فى الباب قبل هذا يعارض حديث أنس هذا‏.‏

قيل‏:‏ لا تعارض بينهما بحمد الله، ويحتمل معنيين‏:‏ أحدهما ذكره ابن المنذر قال‏:‏ روى أبو هريرة عن النبى قال‏:‏ ‏(‏لا يتنفس أحدكم فى الإناء إذا شرب، ولكن إذا أراد أن يتنفس فليؤخره عن فيه، ثم يتنفس‏)‏ فيحتمل أن يكون هذا الحديث مفسرًا لحديث أنس أنه عليه السلام كان يتنفس ثلاثًا يعنى أنه كان يزيل القدح عنه فيه كل مرة يتنفس؛ ليعلم أمته ذلك، حتى لا يختلف الحديثان‏.‏

قال المؤلف‏:‏ والمعنى الثانى‏:‏ أن يكون نهيه عليه السلام عن التنفس فى الإناء فى حديث أبى قتادة إذا شرب مع من يكره تنفسه فيه ويتقذر الشرب منه، كما تقدم فى الباب قبل هذا وإذا شرب مع من لا يتقذر منه فالتنفس له مباح، ولذلك تنفس عليه السلام؛ لعلمه برغبة الناس فيما يتنفس فيه؛ ليدل أمته على إباحة ذلك ممن لا يتقذر بنفسه، ألا ترى أنه مج فى وجه محمود بن الربيع مجة فكانت له بذلك فضيلة، وهذا الوجه أولى بالصواب؛ لأن عامة الفقهاء لا يختلفون أنه لو تنفس فى الشراب لم يحرم بذلك‏.‏

واختلفوا هل يجوز الشرب بنفس واحد، فروى عيسى عن ابن القاسم، أن مالكًا سئل عن قول الرجل للنبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إنى لا أروى من نفس واحد، فقال له عليه السلام‏:‏ فأبن القدح عن فيك‏)‏ فقال مالك‏:‏ أرى ذلك رخصة أن يشرب من نفس واحد ما شاء‏.‏

يريد مالك أن النبى لما لم ينه الرجل أن يشرب من نفس واحد، وقال له‏:‏ ‏(‏أبن القدح عن فيك‏)‏ عُلم أن ذلك كالإباحة، وقد روى عن سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبى رباح أنهما أجازا الشرب بنفس واحد‏.‏

قال ميمون بن مهران‏:‏ رآنى عمر بن عبد العزيز وأنا أشرب، فجعلت أقطع شرابى وأتنفس، فقال‏:‏ إنما نُهى أن يتنفس فى الإناء، فأما إذا لم تتفس فى الإناء فاشربه إن شئت بنفس واحد‏.‏

وروى عن ابن عباس وطاوس وعكرمة كراهية الشرب بنفس واحد، وقالوا‏:‏ هو شرب الشيطان‏.‏

وقول عمر بن عبد العزيز تفسير لهذا الباب وأصل له‏.‏

باب الشُّرْبِ فِى آنِيَةِ الذَّهَبِ

- فيه‏:‏ حُذَيْفَةُ، أنَّهُ اسْتَسْقَى، فَأَتَاهُ دِهْقَانٌ بِقَدَحِ فِضَّةٍ، فَرَمَى بِهِ، فَقَالَ‏:‏ إِنِّى لَمْ أَرْمِهِ إِلا أَنِّى نَهَيْتُهُ فَلَمْ يَنْتَهِ، وَإِنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم نَهَانَا عَنِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ، وَالشُّرْبِ فِى آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَقَالَ‏:‏ ‏(‏هُنَّ لَهُمْ فِى الدُّنْيَا، وَهُنَّ لَكُمْ فِى الآخِرَةِ‏)‏‏.‏

العلماء متفقون أنه لا يجوز الأكل و الشرب فى آنية الذهب والفضة؛ لأن ذلك من باب السرف، إذ جعل الله الذهب والفضة قوامًا للناس وأثمانًا لمعايشهم وقيمًا للأشياء، فكره استعمالها فى غير ذلك إلا ما أباحته السنة للرجال من السيف والخاتم والمصحف، والحلى للنساء‏.‏

قال المهلب‏:‏ وقوله عليها السلام‏:‏ ‏(‏هن لهم فى الدنيا وهن لكم فى الآخرة‏)‏ وهو مثل قوله عليه السلام فى الحرير‏:‏ ‏(‏إنما يلبس هذه من لا خلاق له فى الآخرة‏)‏ وهم الكفار؛ لأنه لما كان الحرير من لباسهم فى الدنيا، وآثروه على ما أعده الله فى الآخرة لأوليائه، وأحبوا العاجلة؛ ذمهم النبى بذلك، ونهى المسلمين أن يتشبهوا بالكفار المؤثرين الدنيا على الآخرة، ولئلا يدخلوا تحت قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أذهبتم طيباتكم فى حياتكم الدنيا‏}‏ الآية، وقال مالك بن دينار‏:‏ قرأت فيما أنزل الله تعالى ‏:‏ ‏(‏أن قل لأوليائى لا يطعموا مطاعم أعدائى، ولا يلبسوا ملابس أعدائى، فيكونوا أعدائى كما هم أعدائى‏)‏‏.‏

باب آنِيَةِ الْفِضَّةِ

- فيه‏:‏ حُذَيْفَةَ، قَالَ عليه السَّلام‏:‏ ‏(‏لا تَشْرَبُوا فِى آنِيَةِ الْفِضَّةِ‏)‏‏.‏

- وفيه‏:‏ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ النَّبِىّ عليه السَّلام قَالَ‏:‏ ‏(‏الَّذِى يَشْرَبُ فِى آنِيَةِ الْفِضَّةِ، إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِى بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ‏)‏‏.‏

- وفيه‏:‏ الْبَرَاء، أَمَرَ النَّبِىّ عليه السَّلام بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ، عَنِ الشُّرْبِ فِى آنِيَةِ الْفِضَّةِ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ الحديث‏.‏

قد تقدم فى الباب قبل هذا أنه لا يجوز الأكل والشرب فى آنية الفضة والذهب‏.‏

واختلفوا فى الآنية المفضضة، فروى عن عائشة أنها نهت أن تضبب الآنية أو تحلقها بفضة‏.‏

وكان ابن عمر لا يشرب فى آنية فيها حلقة أو ضبة فضة‏.‏

وهو قول عطاء، وسالم، وعروة بن الزبير، وبه قال مالك والليث‏.‏

ورخصت فى ذلك طائفة، روى ذلك عن عمران بن حصين وأنس بن مالك أنهما أجازا الشرب فى الإناء المفضض، وأجازه من التابعين‏:‏ طاوس والحكم والنخعى والحسن البصرى‏.‏

وقال أبو حنيفة وأصحابه‏:‏ لا بأس أن يشرب الرجل بالقدح المفضض إذا لم يجعل فاه على الفضة كالشرب بيده وفيها الخاتم‏.‏

وقال أحمد بن حنبل‏:‏ لا بأس به إذا لم يجعل فاه على الفضة وهو مثل العلم فى الثوب، وبه قال إسحاق‏.‏

وقال ابن المنذر‏:‏ ثبت أن النبى- عليه السلام- نهى عن آنية الفضة، والمفضض ليس بإناء فضة وكذلك المضبب، فالذى يحرم فيه الشرب ما نهى عنه النبى ولا نُعصِّى من شرب فيما لم ينه عنه‏.‏

وقال أبو عبيدة نحوه‏.‏

وفعل ابن عمر إنما هو محمول على التورع لا على التحريم، كما روى عنه أنه كان ينضح الماء فى عينيه لغسل الجنابة، وليس ذلك بواجب عليه‏.‏

وروى أبو نعيم قال‏:‏ حدثنا شريك عن حميد قال‏:‏ ‏(‏رأيت عند أنس قدح النبى- عليه السلام- فيه فضة أو شد بفضة‏)‏‏.‏

قال الطحاوى‏:‏ لا يخلو ذلك أن يكون فى زمن النبى- عليه السلام- أو أحدثه أنس بعده، فأى ذلك كان، فقد ثبت عن أنس إباحته؛ لأنه كان يسقى الناس فيه تبركا برسول الله قال أبو عبيدة‏:‏ الجرجرة‏:‏ صوت وقوع الماء فى الجوف، وإنما يكون ذلك عند شدة الشرب، ومنه قيل للبعير إذا صاح‏:‏ هو يجرجر‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏يجرجر فى بطنه نار جهنم‏)‏ محمول عند أهل السنة على أن الله فى ذلك بالخيار لمن أراد أن ينفذ عليه الوعيد‏.‏

باب الشُّرْبِ مِنْ قَدَحِ النَّبِىِّ، عليه السَّلام وَآنِيَتِهِ

قَالَ أَبُو بُرْدَةَ‏:‏ قَالَ لِى ابْن سَلام‏:‏ أَلا أَسْقِيكَ فِى قَدَحٍ شَرِبَ النَّبِىُّ عليه السَّلام فِيهِ‏.‏

- فيه‏:‏ سَهْل، ذُكِرَ لِلنَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم امْرَأَةٌ مِنَ الْعَرَبِ، فَأَمَرَ أَبَا أُسَيْدٍ السَّاعِدِىَّ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَقَدِمَتْ، فَنَزَلَتْ فِى أُجُمِ بَنِى سَاعِدَةَ، فَخَرَجَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى جَاءَهَا، فَدَخَلَ عَلَيْهَا، فَإِذَا امْرَأَةٌ مُنَكِّسَةٌ رَأْسَهَا‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ الحديث إلى قوله‏:‏ ‏(‏اسْقِنَا يَا سَهْلُ‏)‏، فَأَخذت هَذَا الْقَدَحِ، فَأَسْقَيْتُهُمْ فِيهِ، فَأَخْرَجَ لَنَا سَهْلٌ ذَلِكَ الْقَدَحَ فَشَرِبْنَا مِنْهُ، ثُمَّ اسْتَوْهَبَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِالْعَزِيزِ فَوَهَبَهُ لَهُ‏.‏

- وفيه‏:‏ عَاصِمٍ الأحْوَلِ، رَأَيْتُ قَدَحَ النَّبِىِّ عليه السَّلام عِنْدَ أَنَسِ، وَكَانَ قَدِ انْصَدَعَ فَسَلْسَلَهُ بِفِضَّةٍ، قَالَ وَهُوَ قَدَحٌ جَيِّدٌ عَرِيضٌ مِنْ نُضَارٍ‏.‏

وقال ابْنُ سِيرِينَ‏:‏ إِنَّهُ كَانَ فِيهِ حَلْقَةٌ مِنْ حَدِيدٍ، فَأَرَادَ أَنَسٌ أَنْ يَجْعَلَ مَكَانَهَا حَلْقَةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَقَالَ لَهُ أَبُو طَلْحَةَ‏:‏ لا تُغَيِّرَنَّ شَيْئًا صَنَعَهُ النَّبِىّ عليه السَّلام فَتَرَكَهُ‏.‏

الشرب من قدح النبى وآنيته من باب التبرك بالنبى وامتثال فعله، كما كان ابن عمر يصلى فى المواضع التى صلى فيها رسول الله، ويدور ناقته حيث أدارها، تبركا بالاقتداء به، وحرصًا على اقتفاء آثاره، ومن هذا الباب ما يفعله الناس إلى اليوم من الدخول فى الغار الذى اختفى فيه عليه السلام وأبو بكر الصديق على صعوبة الارتقاء إليه والدخول فيه، وهذا كله وإن كان ليس بواجب ولا لازم وإنما يحمل على فرط المحبة فى النبى- عليه السلام- والاغتباط بموافقته، وقد قال عليه السلام‏:‏ ‏(‏والله لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين‏)‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏قدح عريض من نضار‏)‏ قال صاحب العين‏:‏ قدح من نضار- ويتخذ من أثل، ورسى اللون- وذهب نضار، والنضار‏:‏ الخالص‏.‏

والأجم‏:‏ جمع أجمة، وهى الغياض، قال ابن الفاسى‏:‏ النضار‏:‏ عود أصفر يشبه لون الذهب، وهو أعمق العود‏.‏

باب شُرْبِ الْبَرَكَةِ وَالْمَاءِ الْمُبَارَكِ

- فيه‏:‏ جَابِر، رَأَيْتُنِى مَعَ النَّبِىِّ عليه السَّلام وَقَدْ حَضَرَتِ الْعَصْرُ، وَلَيْسَ مَعَنَا مَاءٌ غَيْرَ فَضْلَةٍ، فَجُعِلَ فِى إِنَاءٍ، فَأُتِىَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم بِهِ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ، وَفَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعَهُ، ثُمَّ قَالَ‏:‏ ‏(‏حَىَّ عَلَى أَهْلِ الْوُضُوءِ، والْبَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ‏)‏، فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَتَفَجَّرُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، فَتَوَضَّأَ النَّاسُ، وَشَرِبُوا، فَجَعَلْتُ لا آلُوا مَا جَعَلْتُ فِى بَطْنِى مِنْهُ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ بَرَكَةٌ‏.‏

قُلْتُ لِجَابِرٍ‏:‏ كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ‏؟‏ قَالَ‏:‏ أَلْفًا وَأَرْبَعَ مِائَةٍ وقَالَ جَابِر‏:‏ خَمْس عَشْرَة مِائَةٍ‏.‏

قال المهلب‏:‏ قال البخارى‏:‏ ‏(‏باب شرب البركة‏)‏ لقول جابر فى الحديث‏:‏ ‏(‏فعلمت أنه بركة‏)‏ وهذا جائز سائغ فى لسان العرب أن يسمى الشىء المبارك فيه‏:‏ بركة، كما قال أيوب النبى- عليه السلام-‏:‏ ‏(‏لا غنى بى عن بركتك‏)‏ فسمى الذهب بركة، ومثله قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هذا خلق الله ‏(‏يعنى مخلوقاته، والخلق اسم الفعل‏.‏

وفيه من الفقه‏:‏ أن الإسراف فى الطعام والشراب مكروه إلا الأشياء التى أرى الله فيها بركة غير معهودة وآية قائمة بينة، فلا بأس بالاستكثار منها، وليس فى ذلك سرف ولا كراهية، ألا ترى قول جابر‏:‏ ‏(‏فجعلت لا آلو ما جعلت فى بطنى منه‏)‏ أى لا أقصر عن جهدى فى الاستكثار من شربه‏.‏

وفيه‏:‏ علم عظيم من أعلام النبوة، وقد تقدم بيان هذا المعنى وما فى نبع الماء من بين أصابع النبى من عظم الآية، وشرف الخصوصية فى باب التماس الوضوء إذا حانت الصلاة فى كتاب الوضوء، فأغنى عن إعادته‏.‏

والحمد لله وحده وصلواته على خير خلقه محمد وآله وصحبه‏.‏